سيد محمد طنطاوي

14

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : قوله * ( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ) * يعنى بهم العرب ، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله . وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم ، الذي وردت به الآيات والأحاديث المتواترة . . . « 1 » . وقال الجمل ما ملخصه : قوله * ( لِتُنْذِرَ قَوْماً . . . ) * أي العرب وغيرهم وقوله * ( ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ) * أي الأقربون ، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل ، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى . . و « ما » نافية ، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا صلَّى اللَّه عليه وسلم فالجملة صفة لقوله « قوما » أي : قوما لم تنذروا . وقوله * ( فَهُمْ غافِلُونَ ) * مرتب على الإنذار . . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - مصير هؤلاء الغافلين ، الذين استمروا في غفلتهم وكفرهم بعد أن جاءهم النذير ، فقال : * ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ ، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * . والجملة جواب لقسم محذوف . ومعنى * ( حَقَّ ) * ثبت ووجب . والمراد بالقول : العذاب الذي أعده اللَّه - تعالى - لهم بسبب إصرارهم على كفرهم . أي : واللَّه لقد ثبت وتحقق الحكم أولا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين بسبب عدم إيمانهم برسالتك ، وجحودهم الحق الذي جئتهم به ، وإيثارهم باختيارهم الغي على الرشد ، والضلال على الهدى . . . وقال - سبحانه - * ( عَلى أَكْثَرِهِمْ ) * لأن قلة منهم اتبعت الحق ، وآمنت به ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . ولَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ « 3 » . ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر ، وإصرارهم عليه ، تصويرا بليغا فقال : * ( إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) * . والأغلال : جمع غل - بضم الغين ، وهو القيد الذي تشد به اليد إلى العنق بقصد التعذيب والأذقان : جمع ذقن - بفتح الذال - وهو أسفل الفم . ومقمحون . من الإقماح ، وهو رفع الرأس مع غض البصر . يقال : قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب . والفاء في قوله * ( فَهِيَ ) * وفي قوله * ( فَهُمْ ) * : للتقريع .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 549 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 503 . ( 3 ) سورة يونس الآيتان 96 ، 97 .